الجصاص

48

أحكام القرآن

للفعل ، فلم يخبرهم الله تعالى عن وقتها ليكون العباد على حذر منه فيكون ذلك أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية . والمرسى مستقر الشئ الثقيل ، ومنه الجبال الراسيات يعني الثابتات ، ورسيت أي السفينة إذا ثبتت في مستقرها ، وأرساها غيرها أثبتها . قال ابن عباس : " كان السائلون عن الساعة قوم من اليهود " . وقال الحسن وقتادة : " سألت عنها قريش " . قوله تعالى : ( لا تأتيكم إلا بغتة ) قال قتادة : غفلة ، وذلك أشدها . وقوله تعالى : ( ثقلت في السماوات والأرض ) ، قال السدي وغيره : " ثقل علمها على أهل السماوات والأرض فلم يطيقوه إدراكا له " ، وقال الحسن : " عظم وصفها على أهل السماوات والأرض من انتثار النجوم وتكوير السماوات وتسيير الجبال " . وقال قتادة : " ثقلت على السماوات فلا تطيقها لعظمها " . وقوله تعالى : ( يسألونك كأنك حفي عنها ) . قال مجاهد والضحاك ومعمر : " كأنك عالم بها " ، وعن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي : " يسألونك عنها كأنك حفي بهم على التقديم والتأخير ، أي كأنك لطيف ببرك إياهم ، من قوله : ( إنه كان بي حفيا ) [ مريم : 47 ] . ويقال إن أصل الحفا الإلحاح في الأمر ، يقال : أحفى فلان فلانا إذا ألح في الطلب منه ، وأحفى السؤال إذا ألح فيه ، ومنه أحفى الشارب إذا استأصله واستقصى في أخذه ، ومنه الحفا وهو أن يتسحج قدمه لإلحاح المشي بغير نعل ، والحفي اللطيف تبرك لإلحاحه بالبر لك ، و ( حفي عنها ) بمعنى عالم بها لإلحاحه بطلب علمها . مطلب : في بطلان قول من يدعي العلم ببقاء مدة الدنيا وفي هذه الآية دليل على بطلان قول من يدعي العلم ببقاء مدة الدنيا ، ويستدل بما روي أن الدنيا سبعة آلاف سنة ، وأن الباقي منها من وقت مبعث النبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة ، لأنه لو كان كذلك لكان وقت قيام الساعة معلوما ، وقد أخبر الله تعالى أن علمها عنده وأنه لا يجليها لوقتها إلا هو ، وأنها تأتي بغتة لم يتقدم لهم علم بها قبل كونها لأن ذلك معنى البغتة . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار في بقاء مدة الدنيا وليس فيها تحديد للوقت ، مثل قوله : " بعثت والساعة كهاتين " وأشار بالسبابة والوسطى ، ونحو قوله فيما رواه شعبة وغيره عن علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطبة بعد العصر إلى مغيب الشمس قال : " ألا إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من هذه الشمس إلى أن تغيب " . وما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أجلكم في أجل من مضى قبلكم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس " ونحوها من الأخبار ليس